الشيخ محمد الصادقي

43

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

« وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » قرباً علمياً وقيومياً ، لا ذاتياً أو زمانياً ومكانياً فإنها بُعدٌ في ساحة الألوهية ، ومسٌ من كرامة الربوبية : فلتكن في حاضر خاطرك ، في علمك وعملك ، في سِّرك وعلانيتك ، في جوارحك وجوانحك ، حاضراً لديه ، أقرب منك إلى نفسك فضلًا عما سواك ، انمِحاءً لنفسك لكمال الحضور ، فانعدم هنا عن كافة شخصياتك وتعلقاتك أمام ربك حتى تَنْوجِدَ متعلقاً بل وتعلقاً بربك متدليَّاً به . أم تحضر بحضرته كما أنت حاضر لنفسك ، أم - / لا قل تقدير - / كما أنت حاضر عند عزيز من أعزتك وأنت تراه ، أم وأدنى منه أنه يراك ، آه يا ويلنا ونحن بعيدون في معراجنا عن هذه الأربع ، بل نجد كل ضالة سوى اللَّه في صلاتنا ! أفنحن أضعف من نساء في المدنية بالنسبة لحضرة يوسف : « فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ » ويوسف عبدٌ من عبيد الله ، فهن يتناسين أنفسهن فيقطعن أيديهن من جمال الحضور ، ونحن نتثاقل عن معراج الصلاة لحد النفور ، فأين تفُّرون ؟ ! فليكن المصلى في معراجه حضوراً مطلقاً لدى ربه دون غياب ، فان اليه الاياب وعليه الحساب وهو رب الأرباب . تتقدم « إياك » هنا على « نعبد ونستعين » تدليلًا على حصر العبادة في اللَّه ولله ، وحصر الاستعانة في الله : نعبدك أنت لا سواك ، ونستعينك أنت لا سواك ، تعبيراً عبيراً عن « لا اله الّا الله » . تتقدم لان اللَّه أحق في التقديم عليك وعلى عبادتك بكل موازين التقديم ، فمَن أنت حتى تتقدم على ربك وان في حضرة العبودية ، وما هي عبادتك حتى تتقدم على المعبود في حضرته ؟ ! و « نعبد . . . ونستعين » جمعاً ليس جمع التعظيم للمفرد حيث المقام مقام التطامن والتذلل ، فابراز نفسك كفردٍ زائدٌ أمام ربك فضلًا عن جمعك . وانما يعنى اموراً عدة بين راجحة ومفروضة ، وكلها مفروضة في شرعة المعرفة .